شوقي ضيف
367
المدارس النحوية
بقصد تمرين الناشئة . ويخلفه على هذه المادة النحوية العلمية الخصبة تلميذه سيبويه ، ويعكف عليها محللا مستنبطا ، وما يلبث أن يؤلف فيها « الكتاب » الذي أحاط فيه بأصول النحو وقواعده ودقائقه والذي لم يترك فيه ظاهرة من ظواهره إلا أتقنها علما وفقها وتحليلا ، ولم يعن فيه عناية واسعة بالحدود والتعريفات ، إنما عنى بالتقسيمات والتفريعات ، وكأنما كان يعنيه المنطق العملي بأكثر مما كان يعنيه المنطق النظري التجريدى . ولا نبالغ إذا قلنا إنه هو الذي أعطى نظرية العوامل والمعمولات كل ما اتصفت به من حدّة ومناهج صارمة في الحذف والتقدير . وكان لا يبارى في تحليل العبارات وبيان ما يداخلها من وفرة الاحتمالات الإعرابية . ووضع نصب عينيه استقراء كلام العرب الفصحاء والنقل عن القرّاء ، بحيث لا يسجّل شارة نحوية دون شاهد أو مثال ، مع الإكثار من التعليلات لا للقواعد المطردة فحسب ، بل أيضا للأمثلة الشاذة ، ومع وصل ذلك كله دائما بالأقيسة المنطقية السديدة . وحمل الأخفش الأوسط تلميذه الكتاب عنه ، وأخذ يقرئه تلاميذه من البصريين كما أقرأه الكسائي ، وهو في تضاعيف ذلك يضيف مادة غزيرة من التعليلات ، مع فتحه الأبواب للإدلاء بآراء نحوية جديدة . وبذلك أعدّ النحاة من بعده كي تكثر اجتهاداتهم ، ولا شك في أنه هو الذي ألهم الكسائي إمام الكوفة أن ينفذ إلى مذهب نحوى مستقل يقابل مذهب المدرسة البصرية ، يدل على ذلك أكبر الدلالة التقاؤه معه في كثير من الآراء النحوية ، بل أيضا التقاؤه بعامة مع أئمة المدرسة الكوفية . وقد مضوا يتابعونه - باستثناء الفرّاء - في الاحتجاج للقراءات الشاذة بأقوال العرب وما كانوا ينشدونه من أشعار . وفسح أيضا للأشعار النادرة الخارجة على مقاييس مدرسته ، وخالف سيبويه والخليل في كثير من المسائل النحوية والصرفية ، مع نثره لكثير من الآراء والمقترحات ، مما يدل دلالة واضحة على خصب ملكاته . وأخذ عنه الكتاب قطرب والجرمي ، ولهما في النحو آراء كثيرة تدل على بعد غورهما ودقتهما في التفكير والاستنباط . وأنبه منهما وأشهر المازني رفيق الجرمي ووارث حلقته ، وله في النحو آراء طريفة ، وهو الذي فصل التصريف عنه وصنّف فيه مصنفات قيمة نظّم فيها قواعده ومسائله ، وجعله علما مستقلا بأبنيته وأقيسته وتمارينه . وخلفه تلميذه المبرد وهو آخر أئمة